المقريزي
369
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
بذلك مصر ، ممن أرادها ، وفرغت من بنائه في ستة أشهر ، وهو الجدار الذي يقال له : جدار العجوز بمصر ، وقد بقيت بالصعيد منه بقايا كبيرة ، واللّه أعلم . ذكر البقط البقط : ما يقبض من سبي النوبة في كل عام ، ويحمل إلى مصر ، ضريبة عليهم ، فإن كانت هذه الكلمة عربية ، فهي إمّا من قولهم في الأرض بقط من بقل وعشب ، أي نبذ من مرعى ، فيكون معناه على هذا ، نبذة من المال أو يكون من قولهم ، إنّ في بني تميم ، بقطا من ربيعة أي فرقة أو قطعة ، فيكون معناه على هذا ، فرقة من المال ، أو قطعة منه ، ومنه بقط الأرض ، فرقة منها ، وبقط الشيء : فرّقه . والبقط : أن تعطي الحبة على الثلث أو الربع ، والبقط أيضا : ما سقط من التمر إذا قطع ، فأخطأ المخرف ، فيكون معناه على هذا بعض ما في أيدي النوبة ، وكان يؤخذ منهم في قرية يقال لها : القصر ، مسافتها من أسوان خمسة أميال فيما بين بلد بلاق وبلد النوبة ، وكان القصر فرضة لقوص ، وأوّل ما تقرّر هذا البقط على النوبة في إمارة عمرو بن العاص ، لما بعث عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح ، بعد فتح مصر إلى النوبة سنة عشرين ، وقيل : سنة إحدى وعشرين في عشرين ألفا ، فمكث بها زمانا ، فكتب إليه عمرو يأمره بالرجوع إليه . فلما مات عمرو رضي اللّه عنه ، نقض النوبة الصلح الذي جرى بينهم وبين عبد اللّه بن سعد ، وكثرت سراياهم إلى الصعيد ، فأخربوا ، وأفسدوا ، فغزاهم مرّة ثانية عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح ، وهو على إمارة مصر في خلافة عثمان رضي اللّه عنه ، سنة إحدى وثلاثين ، وحصرهم بمدينة دنقلة حصارا شديدا ، ورماهم بالمنجنيق ، ولم تكن النوبة تعرفه وخسف بهم كنيستهم بحجر ، فبهرهم ذلك ، وطلب ملكهم واسمه : قليدوروث الصلح ، وخرج إلى عبد اللّه وأبدى ضعفا ومسكنة وتواضعا ، فتلقاه عبد اللّه ورفعه وقرّبه ، ثم قرر الصلح معه على ثلاثمائة وستين رأسا في كل سنة ، ووعده عبد اللّه بحبوب يهديها إليه لما شكا له قلة الطعام ببلده ، وكتب لهم كتابا نسخته بعد البسملة . عهد من الأمير عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح ، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته ، عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد اللّه ابن سعد ، جعل لهم أمانا وهدنة جارية بينهم ، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر ، وغيرهم من المسلمين ، وأهل الذمّة ، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان اللّه وأمان رسوله محمد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، أن لا نحاربكم ، ولا ننصب لكم حربا ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه ، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه ، وعليكم حفظ من نزل بلدكم ، أو يطرقه من مسلم أو معاهد ، حتى يخرج عنكم ، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين ، حتى تردّوه إلى أرض